رفيق العجم
162
موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي
تطهير الباطن - العلوم أيضا ثلاثة أقسام : قسم يجري مجرى إعداد الزاد والراحلة وشراء الناقة وهو كعلم الفقه ، أعني ما يتعلّق منه بمصالح معاملات الخلق . وقسم يجري مجرى سلوك البوادي وقطع العقبات وهو تطهير الباطن عن كدورات الصفات وطلوع تلك العقبات الشامخة التي عجز عنها الأولون والآخرون وإحدى عقباتها البخل وحب المال . . . ولا حجاب بين العبد وبين اللّه تعالى إلا هذه العقبات التي هي صفات القلب وتحصيل علمه كتحصيل علم طريق الحجّ ومنازله ، وكما لا يغني علم المنازل وطرق البوادي دون سلوكها ولا يغني حفظ الأدوية وكيفية طبخها دون شربها فكذلك لا يغني علم تهذيب الأخلاق دون مباشرة التهذيب ، لكن المباشرة دون العلم غير ممكن . وقسم ثالث يجري مجرى نفس الحجّ وأركانه وهو من كتاب الإحياء وهو العلم باللّه تعالى وصفاته وملائكته وأفعاله وجميع ما ذكرناه في تراجم علم المكاشفة يرجع إلى العلم بالملك والملكوت ، فهذا هو العالم الأقصى وما عداه من العلوم توابع ومقدّمات كلها تراد لهذا العلم وهذا العلم يراد لذاته لا لغيره ، فالسعادة الأبدية معلّقة بلقاء اللّه تعالى وهي معلّقة بعلم المكاشفة وعلم المكاشفة وراء علم المعاملة الذي هو قطع عقبات الصفات ، وعلم قطع العقبات وراء علم سلامة البدن وانتظام أسباب المعيشة في الدنيا التي هي الزاد إلى طريق الآخرة بالاجتماع والتعاون وحسن المعاملة مع الخلق الذي يتوصّل به إلى الملبس والمطعم والمسكن بالسلطان ، وقانون ضبط السلطان للناس على نهج العدل في المعاملة في ناصية الفقيه كما أن قانون ضبط أخلاط البدن على نهج الاعتدال في ناصية الطبيب . ( ف ، 43 ، 13 ) تظاهر العقل والشرع - تظاهر العقل والشرع . . . إعلم أن العقل لن يهتدي إلا بالشرع ، والشرع لم يتبيّن إلا بالعقل ؛ فالعقل كالأسّ والشرع كالبناء ، ولن يغني أسّ ما لم يكن بناء ولن يثبت بناء ما لم يكن أسّ . وأيضا فالعقل كالبصر والشرع كالشعاع ، ولن يغني البصر ما لم يكن شعاع من خارج ، ولن يغني الشعاع ما لم يكن بصر . فلهذا قال تعالى : قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ ( المائدة : 15 - 16 ) . وأيضا فالعقل كالسراج والشرع كالزيت الذي يمدّه ؛ فما لم يكن زيت لم يحصل السراج ، وما لم يكن سراج لم يضئ الزيت ، وعلى هذا نبّه اللّه سبحانه بقوله تعالى : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إلى قوله : نُورٌ عَلى نُورٍ ( النور : 35 ) . فالشرع عقل من خارج والعقل شرع من داخل وهما متعاضدان بل متّحدان ، ولكون الشرع عقلا من خارج سلب اللّه تعالى اسم